الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
195
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
نظرا إلى عدم جواز تركه من جهة عدم جواز ترك ملزومه وإن صح الحكم بجواز تركه في نفسه فوجوب الفعل على وجه المذكور ليس من أقسام الوجوب على الحقيقة ولا يندرج الفعل من جهته في الواجب إلا على سبيل التوسع فتأمل حتى لا يختلط عليك الأمر في الفرق بين الواجب الغيري والواجب على النحو المذكور فإن هذا واجب بالغير فذاك واجب للغير ولذا كان اتصاف الأول بالوجوب مجازا دون الثاني وقد ظهر بما ذكرناه أن عد الوجوب على الوجه المذكور من أقسام الوجوب وجعل الوجوب على ذلك الوجه واجبا على الحقيقة كما يستفاد من كلام بعض الأفاضل بعيد عن التحقيق رابعها [ في بيان أقسام المقدمات وحدود بعضها وما يرد عليها . ] أن المقدمة كما عرفت قد يكون مقدمة للوجوب وقد يكون مقدمة للوجود والنسبة بينهما من قبيل العموم من وجه فقد يجتمع الأمران كما في اشتراط العقل بالنسبة إلى العبادات وقد ينفرد الأول كما في البلوغ بالنسبة إلى الصلاة ونحوها بناء على شرعية عبادات الصّبي المميز وقد ينفرد الثاني كما في قطع المسافة بالنظر إلى الحج وقد يكون مقدمة للصحة كما في الطهارة بالنسبة إلى الصلاة ومرجع ذلك إلى مقدمة الوجود لتوقف وجود الصلاة الصّحيحة عليه وعلى القول بخروج الفرد الفاسد عن أصل الحقيقة فالأمر واضح وقد يكون مقدمة للعلم كغسل جزء من الرأس لحصول العلم بغسل الوجه وتكرار الصلاة في الثوبين المشتبهين ويرجع ذلك إلى مقدمة الوجود بالنسبة إلى العلم فإن تحصيل العلم بأداء الواجب واجب آخر ووجود ذلك الواجب يتوقف على ذلك وهو ظاهر وأيضا ينقسم المقدمة إلى عقلية كتوقف العلوم النظرية على المقدمتين وعادية كتوقف الصعود على السطح على السلّم وشرعية كتوقف الصلاة على الطهارة وأيضا المقدمة قد يكون سببا وقد يكون شرطا وقد يكون مانعا وقد يكون معدّا والأولان مأخوذان في حصول الواجب وجودا والثالث عدما والرابع وجودا وعدما وقد عرفوا السبب بأنه ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم والشرط بأنه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود والمانع بأنه ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه الوجود والمعد ما يلزم من كل من وجوده وعدمه المطلق العدم فيعتبر كل من وجوده وعدمه في الوجود فيؤخذ كل من مفهومي الشرط والمانع وقد أورد على تعريف السبب بأن السبب قد يجامع عدم الشرط أو وجود المانع فلا يلزم من وجوده الوجود وقد يخلف السبب سببا فلا يلزم من عدمه العدم وزاد بعضهم في الحد التقييد بقولنا لذاته ليحترز من ذلك وأنت خبير بأن أقصى ما يستفاد من التقييد المذكور التحرز عن التخلف الحاصل من وجود المانع فأما ما يكون بفقدان الشرط فالاستلزام غير حاصل مع عدمه إذ ذات المقتضي مع قطع النظر عن وجود الشرط غير كاف في الوجود وأيضا فالتحرز به عن قيام سبب مقام آخر غير ظاهر أيضا إذ لا اقتضاء لانتفاء السبب الخاص في انتفاء المسبب حتى يكون قيام السبب الآخر مقامه خروجا عن مقتضى ذلك السبب لوضوح أن اللازم قد يكون أعم ومن المقرر عدم اقتضاء انتفاء الملزوم انتفاء اللازم ويرد عليه صدق الحد المذكور على العلة التامة الجامعة للمقتضي والشرائط وانتفاء الموانع وهو خلاف ظاهر اصطلاح أرباب المنقول كيف وقد قابلوا السبب بالشرط والمانع وهو ظاهر في عدم اندراج أحدهما في الآخر وقد أورد أيضا على الحد المذكور بأن كثيرا من الأسباب الشرعية معرفات للحكم وليست بمقتضيات حقيقة لثبوت الأحكام المتفرعة عليها فلا يندرج في الحد المذكور لظهوره في كون السبب هو الباعث على وجود المسبب لا مجرد كون العلم بحصوله باعثا على العلم بحصول سببه كما هو الحال في المعرفات فإن السببية حينئذ إنما يكون بين العلم بأحدهما والعلم بالآخر دون أنفسهما فإرجاع السببية إلى ذلك بعيد جدا ويمكن دفعه بأن لزوم أحد الشيئين للآخر يستدعي كون أحدهما علة للآخر ولذا صرحوا بكون المتلازمين إما علة للآخر ومعلولا أو معلولي علة واحدة فوجود أحد المعلولين لازم لوجود المعلول الآخر وهو معرف لوجوده مع انتفاء العلية بينهما ويرد على تعريف الشرط بأن كثيرا من الشرط مما يخلفه شرط آخر فلا يندرج في الحد إذ لا يلزم من عدمه العدم وأيضا الشرط الواقع جزء أخير للعلة التامة مما يلزم من وجوده الوجود فلا يندرج في الحد الشرط بل يلزم اندراجه في السبب فينتقض كل من الحدين ويمكن دفع الأول بأن الشرط هناك إنما هو أحد الأمرين لا خصوص كل منهما والثاني بأن الشرط الواقع جزء أخير إنما يلزمه الوجود إذا وقع أخيرا وأما إذا لم يقع في الأخير فلا يلزمه الوجود فلا يندرج في الحد المذكور نعم قد يرد عليه بصدق الحد المذكور على الجزء الأخير من العلة التامة إذ يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم بل هو أولى بصدق الحد المذكور عليه من الأسباب الشرعية مع أنه ليس سببا في الاصطلاح وإن أطلق عليه السبب أحيانا فالظاهر أنه إطلاقي مجازي ويمكن الإيراد على حد المانع تارة بنحو ما مر فإن بعض المواضع مما يلزم من عدمه الوجود فيما إذا وقع جزء أخير للعلة التامة ويدفعه ما عرفت وأخرى بأن الضد من الموانع وقد يكون ارتفاع أحد الضدين قاضيا بوجود الآخر فيما إذا لم يكن لهما ثالث كالحركة والسكون وقد يوجه بأن المقصود من الحد أنه لا يعتبر فيه أن يلزم من عدمه الوجود وإن اتفق لزوم ذلك في بعض الموارد وهو تكلف بعيد عن العبارة جدا والبناء على ذلك في الحد المانع يقتضي بالبناء عليه في حد الشرط أيضا وهو مما يقطع بفساده وإلا لزم أن يكون الشرط أعم من السبب وهو بين الفساد خامسها [ في أنه هل الأصل في الواجبات كونها مطلقة أو مشروطة أو التفصيل . ] لا إشكال في إطلاق الواجبات بالنسبة إلى أسبابها إذ لا يعقل الأمر بالشيء بعد كونه واجب الحصول فإنه نظير الأمر بتحصيل الحاصل وأما بالنسبة إلى الشرائط ونحوها فالذي نص عليه غير واحد من المتأخرين أن الأصل في الواجب الإطلاق إلى أن يثبت التقييد وظاهر كلام السيد رحمه الله لزوم التوقف إلى أن يظهر الإطلاق أو التقييد فعلى هذا إذا لم يثبت أحد الأمرين أخذ بأصالة عدم الوجوب مع انتفاء الشرط والذي يقتضيه التحقيق في المقام أن يقال إن وجوب الشيء إما أن يثبت بالأدلة اللفظية أو غيرها